ابن أبي الحديد

79

شرح نهج البلاغة

به التجربة لهم ، وما ولوه من قبل ، فإن كانت ولايتهم وكتابتهم حسنة مشكورة فهم هم ، وإلا فلا ، ويتعرفون لفراسات الولاة ، يجعلون أنفسهم بحيث يعرف بضروب من التصنع ، وروى : " يتعرضون " . ثم أمره أن يقسم فنون الكتابة وضروبها بينهم نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الأطراف والأعداء ، والاخر لأجوبة عمال السواد ، والآخرة بحضرة الأمير في خاصته وداره ، وحاشيته وثقاته . ثم ذكر له أنه مأخوذ مع الله تعالى بما يتغابى عنه ، ويتغافل من عيوب كتابه ، فإن الدين لا يبيح الاغضاء والغفلة عن الأعوان والخول ، ويوجب التطلع عليهم . * * * [ فصل في الكتاب وما يلزمهم من الآداب ] واعلم أن الكاتب الذي يشير أمير المؤمنين عليه السلام إليه هو الذي يسمى الان في الاصطلاح العرفي وزيرا ، لأنه صاحب تدبير حضره الأمير ، والنائب عنه في أموره ، وإليه تصل مكتوبات العمال وعنه تصدر الأجوبة ، وإليه العرض على الأمير ، وهو المستدرك على العمال ، والمهيمن عليهم ، وهو على الحقيقة كاتب الكتاب ولهذا يسمونه : الكاتب المطلق . وكان يقال : للكاتب على الملك ثلاث : رفع الحجاب عنه ، واتهام الوشاة عليه ، وإفشاء السر إليه . وكان يقال : صاحب السلطان نصفه ، وكاتبه كله وينبغي لصاحب الشرطة أن يطيل الجلوس ، ويديم العبوس ، ويستخف بالشفاعات .